التوثيق في التراث العمراني

تبرز أهمية دراسة توثيق التراث وأساليبه خاصة مع تزايد الاهتمام بمواقع التراث وتعتبر هذه العملية أساسية في عمليات الترميم لمواقع التراث فالنجاح في المحافظة على التراث العمراني يتطلب النجاح في شتى خطوات عمليات الترميم وبالتأكيد فأن أحدى أهم عمليات المحافظة على التراث العمراني والركيزة الأساسية هي وضوح عملية التوثيق التي يبنى عليها أساس عملية الترميم والتي قد لا تعطى قدرا كافيا من الوقت للدراسة والفحص ولا تجهز لها الإمكانيات المناسبة لذلك فالتعامل البسيط مع توثيق مواقع التراث العمراني يغلب عليه سوء تلك العمليات فعملية التوثيق ليست سوى  أداة قوية في عملية المحافظة ابتداء من التعرف على الطبيعة المحلية وطرق البناء والمواد الأولية المستخدمة والدور الوظيفي لكل جزء من أجزاء مواقع التراث العمراني واستمرارا في معرفة مراحل البناء وإعادة البناء وكذلك الإضافات المتلاحقة للبناء ودور كل إضافة وتاريخها وكذلك إيضاح عمليات الترميم التي تمت مسبقا على الموقع التراثي وطبيعتها إلا إن عمليات التوثيق ليست دوما مرتبطة بالموقع التراثي بل تتجاوزه للوصول إلى كتب التاريخ والفلسفة وعلوم الاجتماع وتتداخل مع الأدب من خلال القصائد القديمة وتستمر تلك السلسلة المترابطة من العلاقات لتتبع خلفية المعمار القديم وثقافته وخبراته ومواقعه الأخرى التي شيدت على يديه والعصور التي بنيت لها وأسباب البناء.

أعتقد أن عمليات التوثيق القائمة اليوم لا تعالج النقص في كافة المعلومات بل يتعامل معها أحيانا بشيء من الجهل بأهمية أتباع منظومة معتمدة لمعالجة عملية التوثيق.

وأود أن أشير إلى أن الخلط الحاصل اليوم بين عملية التوثيق التي يجب ممارستها بمستوى عالي من الدقة والمهنية والاحترافية وبين عملية الرصد اليومي لسجلات الأعمال اليومية فالأولى ذات مرجعية تاريخية ترتبط كثيرا بالإحداث التاريخية والعصور المتلاحقة التي أقيمت فيها وتأثير الثقافات المختلفة التي مرت بالموقع التراثي أما عملية الرصد اليومي فهي أداة تستعمل لأن تكون سجل رصد للأحداث اليومية أثناء عمليات الترميم والتي تتم عبر تدوين الأعمال اليومية والنتائج لتلك الأعمال.

التوثيق لمواقع التراث العمراني أثناء وقبل عمليات الترميم ليست عملية بسيطة وهي في الغالب تحتاج إلى جملة من الخبراء والمتخصصين بمجالات شتى للإسهام في إعادة التوثيق التاريخي والبنائي لكل جزء من مواقع التراث العمراني.

يبقى أن أشير إلى أهمية عملية النشر والتي تلي عملية التوثيق فمن الخطأ أن يحتفظ بنتائج عمليات التوثيق أو محاولة إخفائها عن العامة لما تحمل من معلومات قيمة وأصالة تسهم في إدراك النواحي التاريخية للمكان والإنسان إلا أن كانت عمليات التوثيق لم تتم أصلا وتم تجاوزها جهلا بأهميتها أو قد يكون صاحبها ضيق رؤية كما يصاحب العديد من المشاريع التي نتماهل في تنفيذها لنبدأ في تنفيذها بشكل فجائي دون رؤية واضحة لها وبلا دراسات تفصيلية لكل ما من شأنه أن يتم مستقبلا وما هي تأثيراته المستقبلية .