معجزة المدن : الهوية

تتمايز ثقافة البشر حول العالم تجاه مدنهم الأصلية أو حيال تلك المدن التي يزورنها لأول مرة ولكن بالتأكيد فزوار المدن يبحثون عما لا يجدونه في مدنهم الأصلية حيث يقطنون دوماً ولذلك يتعاملون بكثير من الشكر والتقدير والامتنان حيال تلك المدن التي تحقق لهم ولساكنيها التنوع الذي يطلبونه ولذلك لطالما كانت المدن المختلفة والمتنوعة دوماً ما تحقق وتشبع رغبات وأماني مختلف أصناف وطبقات البشر وفئاتهم العمرية وما يحقق ذلك التنوع والاختلاف هو هوية تلك المدن التي تجدها أمامك في أنحاء المدينة وفي كثير من تفاصيلها فالحديث عن مدينة عريقة كمكة المكرمة أو المدينة المنورة أو القدس مثلاً لن يكون كالحديث عن مدن أخرى سواها وكذلك يجب أن تكون تلك المدن نفسها في تصميمها وتخطيطها تقدم نفسها للزائر كل مرة بشكل متجدد فلكل مدينة طابع مختلف ينمو في ثقافة المدينة نفسها ليصل إلى ساكنها وزائريها بالشكل الأمثل فالطواف حول الكعبة المشرفة في مكة المكرمة يعتبر عاملاً مشتركاً لجميع من يصلها ويزورها ولكنك لا ترى أثراً لذلك الطواف في أنحائها المختلفة سواء كان الفعل أو الفكرة ولذلك وجب أن يفكر في أن يعطى هذا الفعل الفرصة ليطغى على المدينة ككل بأتخاذه عنصراً يعزز في نواحي شتى منها وكثيراً ما تسمع عن الرحابة والارتياح والطمأنينة التي تجتاح الزائر لمدينة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه ولا تجد أثرا لذلك سوى في قرب تلك البقعة الطاهرة من مسجد الرسول صلوات الله وسلامه عليه فذلك العامل لا بد وأن يوضع في الاعتبار عند التطوير والتصميم والتخطيط المستقبلي لها لتحقيق تلك الرحابة والارتياح النفسي والطمأنينة التي تنالها النفس في كل أجزاء المدينة فلا يجب أن تتركز الجهود التطويرية تجاه عامل التوسعة والاستيعاب دون سواه من العوامل الأخرى الهامة كذلك في وضع تعريف وهوية للمدينة من خلال كل شيء يجري فيها ويحيط بها.

أن التفكير بالهوية التي تحملها المدن لزائريها يتطلب عملاً وجهداً وفكراً مرتكزاً على معرفة تامة بتلك المدن وبالانطباعات المتكررة عنها تحقيقاً للأفكار الراسخة عن تلك المدن وتحسيناً لها ونقل تلك الفكرة لأجزاء أخرى من المدينة أمر محتم وإلا فأن بعض المدن لا تكاد تتميز عن غيرها وليس لديها هوية خاصة بها والبعض الآخر من المدن يحاول القائمين عليها رسم هوية جديدة عمرانياً بعيدة عن حقيقة المدينة وقد لا تناسبها بينما تجد أن تلك المدن تمتلك من المقومات الطبيعية أو التاريخية أو المكانية ما يجعلها في قمة المدن العالمية تميزاً أن النظر إلى المدن على أنها طرق وأحياء وخدمات فقط لا يحقق هوية للمكان ما دامت قد أغفلت العامل الأهم وهو إنسان المدينة وثقافته تجاه مدينته .

تذكرة مغادرة : تقول الكاتبة غادة السمان “كل من يحنّ إلى مدينة يعود إليها. ولكن ماذا يفعل من يشتاق إلى مدينة لم تعد موجودة إلا في خرائب الذاكرة؟”.

شارك الصفحة مع الأصدقاء :