فقير من مدينة ثرية

الفقر أمر حتمي لا يهم معه حجم ما يعطى للفقراء من مال أو مأكل أو مشرب أو ملبس كل ذلك حقيقة لن يحدث فرقاً في حالة فقراء المدن تحديداً, فما حاجتهم أكثر من ذلك بكثير والعمل على ذلك المستوى السطحي من توزيع المعونات فقط سيفاقم أعدادهم بل وسيسلط الفقر علناً سوطه تجاه الآخرين من غير الفقراء ليصنع منهم فقراء جدد عبر تأكل الطبقة الوسطى من المجتمع ويزاحم بهم بعد ذلك قوائم الإعانات وتبدأ منافستهم جميعاً أكثر فأكثر نحو تلك الإعانات سواء الحكومية أو إعانات الجهات الخيرية الأخرى.

إدارة المدن الفعلية يجب أن تعلن عن فكرها ونهجها الواضح ورؤيتها لقضية الفقر داخل المدينة دون خجل ولن يكون ذلك مالم تبدأ تلك الإدارات بتقبل الفقراء على أنهم جزء من المجتمع يجب أن تتاح له الفرصة ليكون فاعلاً ومنتجاً وتنحو المدينة بهم نحو الاستفادة الفعلية منهم وتكسب بذلك العنصر البشري الهام جداً والغائب حالياً وتتقلص من وراء ذلك أعداد الفقراء داخل المدينة.

أن الآمال الطموحة تجاه إضعاف سطوة الفقر داخل المدن والأفكار التي تخدم ذلك موجودة ولكن الأفق لتحقيقها ضيق جداً وأحياناً يكون قاتلاً للإبداع ومشككاً فيه أما تساهلاً به أو عدم معرفة بعواقبه, فطبيعة الحلول الفاعلة دوماً أنها لا تأتي إلا بعد أن تخلق الحاجة الفعلية لها فتفاقم مشكلة الفقر في المدن هي فالأساس عدم معرفة ما الذي يمكن أن تواجهه المدن نتيجة وجود الفقر فيها؟ ولو عرفت المدن وإدارتها بالوضع الحقيقي بأبعاده المختلفة لسارعت الخطئ نحو البدء في محاولة فهم الفقر بشكل دقيق جداً دون تشويه له لأن ذلك سيتيح فهمه بالشكل الصحيح كما سيتيح خيارات أخرى أفضل وأشمل والتي قد نغفل عنها لمجرد أننا نظن أننا نعلم كل شيء عن الفقر في المدن.

الفقر في المدن غير متشابه ولن تجده في مدينة كما هو في الأخرى فهو في الحقيقة مختلف جداً في أسبابه وواقعه وأن تشابهت ملامحه كثيراً ولهذا يجب أن نحدد الفقر بالشكل الصحيح والواضح لكل مدينة ونضع له خطة متقنة تكون ذات اتجاهين الأول منها هدفه تقليص أعداد الفقراء المتزايد خاصة من جهة محدودي الدخل وأصحاب الدخل المتوسط وذلك عبر برامج هي في الأساس ليست صعبة أو بل تكاد لا تكون مكلفة إذا ما قورنت فوائدها على مدى زمني طويل والاتجاه الآخر لتلك الخطة هو تفعيل دور الفقراء نحو تطوير المدينة باعتبارهم عنصر بشرياً مؤثراً في تطورها على أن يؤخذ في الاعتبار أن تغطي أهداف تلك الحلول أهمية تخفيف حدة تسارع الفقر نحو المدينة وساكنيها ومن المهم أن تكون إستراتيجيتها على مستويين الأول حكومي يكون من خلال ضبط التشريعات والإجراءات الإدارية على مستويات مختلفة بحكم السلطة التشريعية والتنفيذية المباشرة والتي تمكنها من السيطرة على كثير من الأمور والإجراءات ولكن أهم عامل فيها هو التحقق فعلياً من تمليك الفقراء لأصول ثابتة تشاركهم بها المدينة عبر إدارتها لهم وتوزع بعد ذلك عوائدها الربحية بحسب النسب المملوكة لهم فالمدينة بذلك تحقق عائداً استثمارياً ناجحاً ومستمراً وستكون النتيجة أفضل تأثيراً لو كانت تلك الفرص الاستثمارية الواعدة داخل المدينة معتمدة على قدرات وخبرات الفقراء وعلى جهودهم المبذولة فيها وبهذا يصبح الفرد عاملاً منتجاً ضمن منظومة هو بالأصل يملك جزء من أسهمها حسب ما خصص له منها أو حسب مقدار اجتهاده من اجلها أما المستوى الاستراتيجي الآخر فسيكون من خلال مجتمع المدينة نفسها فالحل المجتمعي مهم جداً ومؤثر وهو تفهم المجتمع للعناصر المؤثرة على مشكلة تزايد الفقر داخل المدينة باعتبارهم جزء منه وأحد أسبابه الرئيسية ويتعرف المجتمع على الدور المأمول منه وكيف سيسهم ذلك الدور في زيادة الفقر أو تقليصه على أن توضع بعد ذلك المحددات والحوافز السلبية العامة أو الخاصة إذا ما كأن تأثير المجتمع أو أحد أفراده سلبياً على مشكلة الفقر ومن ذلك توضيح معدلات الاستهلاك للمواد الغذائية على سبيل المثال ومدى تأثيرها السلبي على الفقراء وازدياد تأثيرها المتضاعف مؤخراً بعد ضغط المجتمع عليه لحدوده القصوى كما يحدث الآن نتيجة الإسراف المتزايد فيه دون وعي ولهذا يجب أن يحدد مؤشر للاستهلاك الغذائي لكل مدينة على أن يكون شفافاً ويحقق معادلة واضحة وعادلة تجاه الفقراء في المدينة تمكنهم من القدرة على تحقيق متطلباتهم المعيشية الأساسية داخل تلك المدينة وإلا فأن العودة للمحاولات البائسة نحو تقديم المساعدات العينية إلى فقراء المدن لن تكون سوى محاولة لإرهاقهم على المدى البعيد وحقيقة الأمر إنها ليست إلا محاولة للإضرار بهم سواء كان ذلك بقصد أو دون قصد ولكنها للحقيقة محاولة تأتي بشكل غير مباشر, فتقديم المال أو المواد الغذائية بصورتها النهائية هي طريقة لإجبار الفقراء على التصرف سلوكياً وفق نهج وأسلوب ومعيشة الأغنياء وذلك الاستهلاك العالي خاطئ جداً في حق الجميع سواء الفقراء أو الأغنياء ومحاولة جعل الفقراء يعتادونه هو خسارة مضاعفة على الجميع والأولى هو العمل على تقليص الاستهلاك بشكل أساسي لدى جميع أفراد المجتمع سواء متوسطي الدخل أو أصحاب الدخل العالي مما سينعكس إيجاباً على معدل الاستهلاك العام ويخفض من قيمة المنتجات الاستهلاكية نتيجة قلة الطلب فتسهم بعد ذلك في حل معضلة مهمة هي ازدياد تكاليف المعيشة الأساسية لدى الفقراء.

حقيقة أن من الخطأ استمرار تقديم المال للفقراء بشكل مباشر لسد الاحتياجات اليومية لهم فهي طريقة غير مباشرة لجعلهم مستهلكين دوماً دون فائدة تذكر فالفائدة من وراء ذلك ستعود فقط للشركات المنتجة ومالكيها وأصحاب المتاجر وبشكل مضاعف عوضاً على أن الحل المناسب والفعلي لمشكلة فقراء المدن هو جعل الفقراء أفراد منتجون عبر مشاركتهم للتنمية في المدينة بحسب إمكانياتهم وقدراتهم وخبراتهم البسيطة.

الجدير بالذكر أن البرامج التي تعد دوماً بإنهاء مشكلة الفقر عبر تقديم المال أو التبرعات العينية لن تنهي الفقر أبداً وهذا أمر حتمي وستنجح فقط في استنزاف الموارد المالية ولمدد طويلة دون أن تحقق أي نتيجة واضحة والتي ستتحقق بشكل مذهل إذا ما كان الفقير جزء من استراتيجية الخطة والمحرك الرئيسي لها بجهده ومشاركته وخبراته وقدراته حتى تتحسن له ظروفه المعيشية وتتحسن بعد ذلك له فرص أهم مثل التعليم والصحة وغيرها.

تذكرة مغادرة : يقول الكاتب لافونتين “الجبل لا يحتاج إلى جبل لكن الإنسان يحتاج إلى الإنسان” .