ضجيج دون عمل !!

ضجيج دون عمل !!

ضجيج دون عمل !!

تحسن خطوط الطيران دوماً في رحلاتها اليومية بشيء أجده أمراً جوهرياً وهو أنهم وضعوا قوانين واضحة ومحددة جداً حيال من يستطيع قيادة طائراتهم وما هي مسئولياته وواجباته وبالطبع تقع تلك الحسنة إلى جوار العديد من المساوئ التي يتعذب بسببها المسافرون إلا أن ذلك الأمر الذي تحسنه خطوط الطيران في رحلات الطائرات من الإقلاع إلى الهبوط هو أقرب الأمثلة الفعلية على حسن القيادة فجميع مهارات القيادة تجدها خلال الرحلة وأهمها بالطبع هو التفويض مع وجود الصلاحيات وكذلك معرفة المسئوليات المناطه بالفريق معه ولذلك تمر جميع الرحلات بسلام خاصة إذا ما امتلك فريق الطائرة المساعد المهارات اللازمة للتعامل مع المواقف المختلفة للمسافرين.

لو افترضنا جدلاً أن منصب قائد الطائرة سيكون متاحاً للاختيار بين عدد من الشخصيات الناجحة والبارزة جداً والمعروفة في مجالات كالطب والهندسة والعلوم والأدب دون أن يكون لهم أدنى معرفة عن كيفية قيادة الطائرات وبين طيار مبتدئ فأيهما سيقع عليه الاختيار ليكون قائد طائرتك للرحلة القادمة أن اختيارك للطبيب المتمرس أو المهندس الفذ أو العالم المخترع أو الأديب الرائع في قيادة رحلتك القادمة سيكون مهلكة حتمية لا نجاة منها ولكن اختيارك للطيار المبتدئ هو فرصة لك لاختيار الأفضل في التخصص الذي تحتاج إليه بحسب الخبرة والمهارة التي مكنته يوماً من تطويرها وتلك النظرة هي ما يجب أن يكون عليه التفكير في قيادة القطاعات الأخرى وهو اختيار المتخصص والبحث عنه ضمن مجال تخصصه ومحاولة تطويره وتحفيزه دون النظر إلى معايير أخرى هي أقل أهمية في تلك المناصب القيادية.

لقد عهدت العديد من القطاعات في السنوات الأخيرة إلى تسليم إدارة قطاعاتها إلى شخصيات تعتبر مؤهلة ضمن تخصصاتهم المهنية الأساسية والمختلفة عن نشاطات تلك القطاعات وأضحت تلك القطاعات تتلوى وتتلون كثيراً بين ثقافتين مختلفتين جداً لبيئات العمل هما الخلفية الثقافية لبيئة العمل القادم منها القيادي والثوابت التي زرعت به عبر سنين عن طريقة العمل والممارسة والثقافة المهنية وبين بيئة العمل وطريقة التعامل التي اعتادها فريق العمل ضمن القطاع وخلفية الفريق حول كيفية ممارسة العمل بشكل يومي منذ سنوات داخل تلك القطاعات والثقافة المهنية السائدة ضمن الفريق التي أضحت هي الأسلوب المتعارف عليه من قبلهم, ولكن قبل أن نصل إلى السؤال الأهم حول مدى نجاحهم من عدمه وتقييم تلك التجارب يجب أن نعترف أن ما حدث هو خلق دوامة متحركة داخل تلك الجهات لم تهدأ في بعضها حتى اليوم, فهل نجحت تلك القيادات في تغيير ثقافة بيئة العمل وإنجاح تلك القطاعات وهل تحسنت نوع وطبيعة الخدمات المقدمة من تلك القطاعات وما مدى رضا المستفيد النهائي من تلك الخدمات, أن القليل من تلك القيادات من نجح في خلق بيئة عمل متوازنة بينه وبين فريق العمل والسبب في ذلك يعود لامتلاكهم مهارات شخصية أضافية كالمرونة وقابلية التعلم والتي كانت كافية بالنسبة لهم للتخفيف من أخطاء التغيير في مفهوم وثقافة بيئة العمل دون اللجوء إلى التصادم المباشر مع فرق العمل والذي كان صنيعة تلك الدوامة المتحركة نظير وجود قائد من بيئة عمل مختلفة عن بيئة العمل التي أعتادها فريق العمل إلا أن العديد منهم في الحقيقة فشل فشلاً ذريعاً إلى درجة أن سمح ذلك الفشل لبعض المتسلقين والمتملقين من الاستفادة بشكل فاضح عوضاً على أن بعض من تلك القيادات ولكثرة التصادم مع فرق العمل لجئ إلى تهميش فرق العمل الموجودة بالكامل وتكليف آخرين أما من خارج تلك القطاعات لإدارتها أو من داخل تلك القطاعات ولكنهم لا يمتلكون الخبرة الكافية مما تسبب في زيادة الشكاوي للمستفيدين سواء من المجتمع الداخلي أو الخارجي للمنظمة كما تسببت في إحداث شرخ هائل داخل فرق العمل بتلك المنظمات ووجود فريقين يتصارعان بصمت لتتأثر بذلك المنظمات العتيقة والتي كان الأولى بها أن تكون منظمات ذات ثقافة مهنية عالية.

كما أن القيادات القادمة من بيئات عمل مختلفة حملت بين جناحيها ثقافة وطريقة مختلفة لإدارة الأمور وكذلك ثوابت مختلفة فمثلاً فكرة العمل لأجل خدمة المجتمع لن تجدها ضمن أولويات بعض تلك القيادات في مواقعهم السابقة لتأثرهم بثقافة المواقع التي يشغرونها سابقاً ومثلها مثل إدارة مادة تدريسية في أحدى الجامعات مهما كان تعقيدها ومهما كان عدد الطلبة تبقى ثقافة مختلفة عن ثقافة تقديم خدمة وكذلك مثلها مثل طريقة معالجة المشكلات المالية لإدارة المشاريع لثقافة لم تنظر يوماً للمادة على أنها عائق, كما أن تلك القيادات مهما كانت تحمل من مهارات إضافية وقدرات شخصية عالية جداً لن يخرج عملها خلال السنوات الأولى عن أطار تطبيق مبدأ التجربة والنتيجة والتغيير بناء على نتائج تلك التجربة وبذلك تستمر العديد من الجهات ولسنوات طويلة وهي تمارس عملاً دون نتاج واضح وملموس .

القيادة مهارة يستطيع امتلاكها المتخصص في تخصصه المهني ولكنه لن يستطيع النجاح كما نأمل له في بيئات عمل مختلفة وثقافة مهنية مختلفة وأكثر من ذلك نشاطات مهنية مختلفة أن جزء كبير من القيادة هو فهم ثقافة المكان والقدرة على التغيير بما لديه, كما أن الأولى من الاستمرار في اختيار شخصيات معينة لإدارة قطاعات أخرى مهمة هو تحرك الجهات المسئولة عن إستراتيجيات التوظيف في تلك القطاعات إلى وضع خطة إستراتيجية يتأسس من خلالها قيادات الجيل التالي لدى جميع القطاعات وتطويرهم عبر مسارات مهنية وتدريبية وتجهيزهم لتقلد المناصب القيادية مبكراً وإعطاءهم الفرصة الكاملة للقيادة حتى تغرس مفهوم وثقافة وبيئة كل قطاع بشكل أساسي من خلال مكونات القطاع نفسه .

تذكرة مغادرة : يقول آرثر شوبنهاور : “في الحياة أمامك خيارين .. إما أن تملأ العالم ضجيجاً بدون عمل..أو أن تملأه تأثيراً بدون ضجيج ”.