فجوات التخطيط الإستراتيجي

من الملاحظ على العديد من القياديين في الجهات والمنظمات أنهم يأتون بفكر خاص بهم يودون لو أمكنهم تطبيقه منذ اليوم الأول لهم, ويسعون جاهدين لذلك طوال فترة بقاءهم وبكل ما أوتوا من قوة ونفوذ ولكن تغيب عن تلك القيادات أن البناء السريع يعقبه هدم أسرع منه ومن المؤكد أن ذلك سبب رئيسي في استمرار القيادات في التغير لتقديم فكر وروح جديدة في القيادة وهو أمر مهم على أن لا يكون ذلك التغيير على حساب الاتزان وهو العامل الأهم في المعادلة التي تنتهي بالنجاح.

كما أننا نقرأ وتصطف لنا الكلمات الأكثر تكرارا من هؤلاء القادة في السنوات الأولى لهم على لائحة الوعود ومن تلك الكلمات “تطوير , إستراتيجية , مؤشرات” ولكن بعد مرور الدورة الزمنية الأولى التي تمكنهم من عمل شيء على أرض الواقع ولكن دون أن يحدث شيء لتأتي مكانها الكلمات التي تعزف على وتر الأعذار تارة أو التنصل من المسئولية تارة وتحميل الفشل لجهات أخرى ولكن السؤال الأهم أين الخلل وكيف نستطيع تداركه؟.

الخلل هنا هو ما يجوز لنا تسميته بالفجوات في التخطيط الإستراتيجي وسببها الأول هو فرق التخطيط الإستراتيجي القائمة على إعداد تلك الإستراتيجيات فهي في الغالب تحاول أن تضع بصمة لتلك القيادات فتركز على جانب واحد وتدعمه كلياً وعلى مستويات مختلفة سواء خلال إعداد الخطة الإستراتيجية أو أثناء تنفيذها ولذلك نجد أن بعض من القيادات عرف عنهم نجاحهم في جوانب محددة وطاغية على جوانب أخرى أما السبب الثاني لحدوث تلك الفجوات في التخطيط الإستراتيجي والأهم من وجهة نظري هو ثقافة القيادي نفسه وقدرته على معرفة قدراته الشخصية وحدودها الطبيعية فتأديته لأدوار متعددة ضمن المنظمة أو القطاع الذي يديره قد يكون العامل الأهم في خلق فجوات في التخطيط الإستراتيجي ومن ذلك محاولة بعض القيادات إلى جعل جميع أفكاره واقعاً حتى وأن كانت تلك الأفكار لم تقيم أو يعرف تأثيرها ومدى ارتباطها بالخطة الإستراتيجية للمنظمة وما إذا كانت ناجحة وقابلة للتطبيق أو معقدة وتحتاج إلى زمن أطول للتنفيذ كأن يلزمها مثلاً تنفيذ برامج أولية قبل الوصول لنجاح تلك الفكرة فيما لو كانت صحيحة, وكذلك تظهر فجوة جديدة مرتبطة بسابقتها وهي رفض الإبداع والابتكار والأفكار الجديدة خاصة إذا ما أتت تلك الأفكار من خارج الدائرة الرئيسية المحيطة بالقيادي نفسه فالسمة الغالبة في تلك الشخصيات هي محاولة جذب المشجعين فقط لأفكاره الشخصية وهو بتلك الطريقة يلتزم أكثر ويتمسك بدور المفكر الأوحد للمنظمة, كما أن مسئولي الجهات والقياديين الذين لا يدركون المستقبل بشكل فعلي يخطئون فهم يتعاملون مع ما يحدث معهم بخطة قصيرة المدى أو موقف بموقف ومن ذلك عند تغيير عنصر واحد من ذلك الموقف قد يتغير الموقف من رأي إلى آخر وحتى أن لم يكن ذلك العنصر مؤثراً بل قد يكون هامشي جداً ولكنها تلك الطريقة السهلة المحببة لهم والتي تعالج المواقف واحداً تلو الآخر دون أن يشعروا أن ذلك يعني خلق دوامة من الآراء المتضاربة حيال مواضيع متشابهه جداً لا يفصل فيها سوى رأيه الشخصي كل مرة وتلك فجوة أخرى من فجوات التخطيط الإستراتيجي.

وتتوالى الفجوات ظهوراً لتطال معها المعنيين بتنفيذ تلك الاستراتيجيات ويعود السبب في ذلك أما لضعف خبراتهم ومهاراتهم أو عدم إطلاعهم الكامل على الإستراتيجية ومدى انعكاس تطبيقها عليهم, فهم بذلك يؤدون عملاً لا يعلمون ما هي نتائجه وما انعكاساته المباشرة وغير المباشرة ومع غياب عامل المعرفة لديهم تغيب القيم ليغيب بعدها أهم ما في المنظمات وهي الأمانة ليحضر الفساد ويبدأ في التغلغل ليكون هو ثقافة المنظمة بشكل كامل تجاه العمل وكم من منظمة محترمة تتهم بالفساد ليل نهار حتى وأن لم يكن ظاهراً فأن ملامحه تظهر جلية واضحة من خلال التعاملات المعقدة والكثيرة لأمور بسيطة وتافهة جداً.
أن فجوات التخطيط الإستراتيجي لا تنتهي أبداً بل تتسع وتتشعب كما هو حال التخطيط الإستراتيجي نفسه ولن نملك إدراك فجواته بشكل كامل أن لم نملك معرفة قوة تشعبه وعمقه والتي قد لا تظهر كل فجواته بذات الوضوح ولكن للبدء في حل ذلك الخلل وتدارك نتائجه لنبدأ في سد الفجوات الأعمق من وجهة نظري وهو غياب الكفاءة عن العناصر الهامة والمساندة في عملية إعداد الخطة الإستراتيجية مثل الموارد البشرية والتدريب والتأهيل سواء للقائمين على إعداد الخطط الإستراتيجية أو المسئولين عن تنفذيها ومتابعتها ومن ثم محاولة العمل على إصلاح فجوة غياب الهياكل الإدارية تماماً أو ضعف تطبيقها فمحاولة صنع هيكل إداري يتناسب مع الأفراد لن يكون واقعياً ولذلك الطريقة المثلى هي إيجاد هيكل إداري قوي ومرن يسند بأفراد ذوي كفاءة عالية تتناسب خبراتهم ومؤهلاتهم وقدراتهم مع هيكلة تلك المنظمة واحتياجاتها ومسئولياتها.

الحقيقة ليس من المستغرب أن نقول أن فجوات التخطيط الإستراتيجي هي جزء من نظام الخطة الإستراتيجية بشكل أو آخر ويجب التعامل معه بحرص وشفافية فالافتراض أننا بإعداد الخطة الإستراتيجية وإرسالها للمنفذين يكون دور فريق التخطيط الإستراتيجي قد انتهى وبأن منفذي تلك الإستراتيجية قد تغيرت قناعاتهم غير صحيح ويجب في هذا الأمر اختبار تلك الفرضيات الجديدة التي تحث عليها الخطة الإستراتيجية ولن يكون ذلك سوى من فريق التخطيط الإستراتيجي الذي يعول عليه كثيراً ليس فقط عند إعدادها بل كذلك عند مراقبة تطبيقها وقياس مؤشراتها.

يتبقى لي أن أورد أمراً هاماً جداً وهو أن فجوات التخطيط الإستراتيجي مترابطة جداً فحدوث أحدها هو نذير لحدوث الأخرى ومقدمة لفجوات أعمق وأكثر تأثيراً والطريقة الصحيحة لتصحيح ومعالجة الفجوات ليس بالتخلص من الخطة الإستراتيجية وصنع أخرى بديلة عنها بل بالعمل على تحسين أداء تلك الخطة الإستراتيجية وردم الفجوات فيها لتتحسن تبعاً لذلك فلسفة المنظمة وتتغير ثقافتها الداخلية للأفضل وتتحرر صورتها الخارجية من أي أمر قد يؤثر عليها.

تذكرة مغادرة : يقول العالم المسلم أبن الجوزي رحمه الله ” إنما ينبغي للإنسان أن يتبع الدليل لا أن يتبع طريقاً ويتطلب دليلها “.