التخطيط العمراني وتمدن المجتمعات

لا شيء يمثل حقيقة المدن وفهم واقعها دون تزييف أو اختلاق سوى فهم حقيقة وواقع مجتمع تلك المدينة, المجتمعات المتعايشة مع المكونات المختلفة لها يحدث أن تكون العناصر الرابطة بين أفراد المجتمع متعددة وأهمها هي قدرة المجتمع على تقبل الآخر المختلف عنه أيا كان نوع ذلك الاختلاف مما يعمل وبشكل متكامل على إنجاح المدن بالاعتماد على الجميع, فالهدف الأسمى لجميع أفراد المجتمع هو التأكد من نجاح المدينة في تحقيق احتياجات وتطلعات الجميع ويكون ذلك مترابطاً بشكل قوي مع عناصر أخرى كالانتماء والولاء للمكان والذي يظهر وبشكل كبير لدى المجتمعات المسالمة التي تسعى لتقبل الآخر سريعاً وتجعل من الجميع عناصر دافعة نحو نجاح المدينة وتعزيز الثقة بين أفراد المجتمع ونشر العدالة بينهم لتأسس بذلك حلقة وثيقة يفهم منها الجميع الأدوار المختلفة لمختلف أفراد المجتمع وأهمية كل دور داخل المدينة.

المدن التي نسعى لها كمخططين لا تقتصر على إنشاء المباني والطرق والخدمات وغيرها من الأدوات التي تسهم في خلق وضع معيشي أفضل ,, بل رسالتنا الحقيقية وهدفنا الأسمى هو السعي وراء خلق تنوع واختلاف وتآلف لجميع مكونات المجتمع داخل المدينة بالاعتماد على الخبرات التخطيطية والاستفادة من نظريات التخطيط والتصميم العمراني لأجل إيجاد وثيقة مجتمعية تضم جميع أفراد المجتمع يدفع بها الجميع نحو تقدم وتطور المدينة مع المحافظة كلياً على كافة المكونات والعناصر المختلفة للمجتمع كجزء لا يمكن الاستغناء عن أي عنصر منه ولا يصح معه السماع لأصوات النبذ والفرقة مهما كان مصدرها فما أكثر العوامل المؤذية المؤدية للفرقة بين أفراد المجتمع ولعل أهمها هو البدء في رفض الآخر وفقدان الثقة به لتفتقد المدينة لأهم عناصر تكوينها وحينها يبدأ البعض في البناء والبعض الآخر يبدأ في حمل معول الهدم.

المجتمعات التي لا تضع ضمن أهدافها قبول الاختلاف والتنوع وأن يكون ذلك الاختلاف هو مصدر للقوة ستصبح مكانا للتصنيفات والتحزب والتقسيمات الفئوية المختلفة دون معنى حقيقي لواقع المدن ومحاولة الوصول لتحقيق واقع المدينة الناجح يجب أن يكون ضمن أهدافنا وأولوياتنا الإيمان بأهمية قبول الآخر المختلف تماماً, على أن يكون ذلك القبول على مستويات متعددة يهتم أولاً في إصلاح واقع تلك المدن عبر تطوير عمليات التخطيط والتصميم العمراني فيها فمن المهم وقبل أن نعمل على تحقيق النتيجة والبحث عنها في المجتمع نفسه يجب أن نعمل على خلق مدينة تحقق ذلك الترابط بين أفراده من خلال إشاعة النشاطات المشتركة المتعددة بين أطيافه المختلفة وجعل الأمور المشتركة هي الرئيسية والمصيرية له, لتكون تلك الأمور المشتركة هي الداعمة نحو معرفة الآخر عن قرب وتلمس احتياجاته الفعلية ولن يكون ذلك متاحاً إذا ما كنا نعد ونخطط المدن بعيداً عن احتياجات المجتمع المختلفة, فالهدف من المدن والمجتمعات المتعددة فيها هو صناعة ثقافة جديدة هي التمدن عبر تعزيز الترابط بين أفراد المجتمع ودعم تكاتفه .

أن التحدث مع الآخر والانفتاح عليه ومشاركته وبذل المزيد من الوقت في اتجاهه وفهم احتياجاته والاعتماد عليها في تخطيط مدن صالحة للمجتمع سيغني عن سنوات من الجهد نحو محاولات إصلاح وتوعية للمجتمع بحقوق الآخرين وواجباتهم ومسئولياتهم وسيكون الوضع أكثر سوء إذا ما فقد عامل الثقة بين أفراد المجتمع في يوم ما.

تذكرة مغادرة : يقول الكاتب توماس كارليل “ لتذهب إلى أقصى مدى يمكنك رؤيته، وعندما تصل إلى هناك فسوف يكون بإمكانك الرؤية لمدى أبعد ” .