كيف تتفكك الفكرة ؟!

أبرز ما نواجهه اليوم في مجتمعاتنا هي الأفكار التي يؤمن بها البعض من أفراد المجتمع ويعملون لأجلها دون النظر إلى أبعد من الصورة الظاهرة لتلك الأفكار ولا يعني ذلك أنه سيكون محدداً بجزء خاص من المجتمع أيا كان عامل التصنيف في ذلك بل أن بعض الأفكار تؤمن بها غالبية فئات المجتمع دون أن تدرك واقع تلك الأفكار ولنسميها هنا الأفكار المسيرة فهي الأخطر على الإطلاق حتى لو لم تكن مضرة لأحد فواقع توافق فئات المجتمع جميعهم نحو فكرة ما هو إلا جزء من سلبية خفية جداً في ثقافة المجتمع.

أن صفحات التاريخ مليئة بمن يؤمنون بالأفكار سواء كانت في وجهة نظرنا اليوم حسنة أو خاطئة ولكن حقيقتها الظاهرة لنا اليوم ومدى تأثيرها سواء كان إيجابياً أم سلبياً لن يغير شيء في حقيقة أن من أصيبوا بها في زمنهم لم يدركوا الخطأ الذي أوقعوا أنفسهم به, وبعيداً عن ما يكرره البعض نحو تلك الأفكار والمفارقات حولها أو المقارنات التي تم تقييمها بها تبقى أن تلك الأفكار التي آمن بها الكثيرون حد الجنون لم تكن سوى ثقافة مجتمعية ضعيفة وبصيرة أضعف في أصلها سقطت أمام كم هائل من المعلومات والمصادر المشتتة بشكل مقصود.

من المعلوم أن بحث الأفكار الجديدة يجب أن يكون بشكل مختلف كل مرة من أجل أن لا يؤثر علينا ما يعرفه الآخرون عنا فقد يستغلونه ضدنا, وكذلك التجربة تعلمنا أننا لا نستطيع أن نؤمن بفكرة جديدة ما لم نفتقد تأثير الأفكار القديمة علينا والأخطر في ذلك أننا لم نفعل ذلك ونثبت قواعدنا جيداً وحدث أن تغيرت مبادئنا وأصبحنا لم نعد نؤمن بما كنا نؤمن به من قبل فستصبح أخطر الأمور ومنها العدالة على سبيل المثال محور تبدل خطير فلكل فكرة عدالة مختلفة خاصة بها تحققها العقول المسيرة بشكل وهمي .

أي كانت الفكرة التي نؤمن بها أو العدالة التي ننشدها أو الحق الذي نسعى له ليكن بين أعيننا أن يكون ميزان التقييم متحرراً من العواطف والرغبات ولنبحث جيداً عن ما إذا كانت تلك الفكرة مؤثرة والى أي مدى يكون تأثيرها وما هو اتجاه هذا التأثير ومن المستفيد والمتضرر الظاهر وكذلك من المستفيد والمتضرر الخفي فكل فكرة تظنها إيجابية بشكل خالص لا تأمن من أن تحمل بين طياتها الكثير من السلبية في اتجاه زاوية أخرى قد لا تعي وجودها أصلاً.

ولنلاحظ أن الأفكار التي تمر بنا بشكل يومي ومصادر بث تلك الأفكار أصبحت عديدة وسنجد أن تلك المصادر هي أقرب مما نظن ولم تعد محدودة أيضاً بشيء بل أصبحت الأفكار في صورتها العامة مشتتة ولكنها في نفس الوقت تهدف لنتيجة واحدة وهدف خفي واحد قد يكون بعيداً لا ندركه أو نعي مستوى التعقيد فيه, ولذلك يبقى السؤال الدائم كيف تتفكك الأفكار إلى أهداف؟ وكيف يمكننا معرفة تلك الأهداف سواء الواضحة منها أو الخفية ومن المستفيد والمتضرر سواء ظاهريا أو بشكل خفي , أن الوعي بالرسائل الخفية خلف كل فكرة ليس سهلاً بل ويزداد الأمر تعقيداً كلما ظننت أنك استوعبت الرسالة والفكرة بشكل سهل ولحظي وحينها يجب عليك أن تعلم أنك لم تستطع إدراك كل شيء فيها وهناك ما يخفى عنك, فلا يصبح عقلك مسلوبا ومستعداً لقبول أي فكرة والإيمان بها والعمل لأجلها دون أن يكون هنالك فكر وبحث وتقييم واقعي دون عواطف أو رغبات.

تذكرة مغادرة : يقول الكاتب هاروكي موراكامي “ الحاضر الصرف ليس إلا تقدم خفي لماض يلتهم المستقبل ” .