موسيقى المدن

لكل مدينة مذاق خاص بها ونكهة متفردة عن غيرها وموسيقى تملأ أرجائها وبنيانها وطرقاتها فهنالك مدن لا تسمع فيها سوى القليل من هدوء الطبيعة والكثير من المدافع الضاربة والطائرات والبراميل المتفجرة وهنالك مدن لا تصدح سوى ضجيجاً قادماً من حركة عمل مستمر وتطور دائم ونمو يبعث على التفاؤل لمستقبل المدينة وساكنيها وهنالك المدن الهادئة جداً التي تهمس بها أصوات الطبيعة دون أن تخلو موسيقاها من أنغام البحث عن الكنوز الجديدة والمثيرة من أسرار الطبيعة, وهكذا تستمر المدن في اختلافها عن بعضها البعض وتستمر في تتشابها كذلك, تختلف كلياً في أنغامها فتقدم كل منها أنغامها الخاصة وستلاحظ تلك الأنغام التي أتحدث عنها ما أن يطرأ أسم مدينة ما تحبها في ذهنك, يبعث عقلك احساساً صادقاً عن تلك المدينة سواء كان جميلاً أو سيئاً ولكنه في الحقيقة غالباً ما يحكي واقع تلك المدينة وموسيقاها التي تحتفظ بها في مخيلتك .

أن أذهاننا تصور وجودنا بين طرقات المدن التي نحب وبين أحيائها المختلفة بمجرد مرور أسمها أمامنا وكل ذلك يتم بشكل مذهل حتى يخيل لنا أننا نعايش واقعاً لا خيال فيه بأدق تفاصيل الحياة المختلفة والمتمازجة بها وفي واقع الأمر ما هي إلا تأثير مباشر من موسيقى المدن التي تختفي خلف ستار المشهد الصامت للمدينة لتظهر مرة أخرى وتحضر بشكل غزير في أذهاننا حينا نحو تاريخها وتراثها وحينا نحو مجتمعها وترابطه وحيناً نحو تطورها عبر الزمن ومرات كثيرة تذهب بنا نحو إنسانيتها وكثيراً ما تبعث بنا المدن نحو أطياف سماءها وفصولها المختلفة وذكرياتنا عنها.

لكل مدينة موسيقى خاصة بها نستشعرها في مجتمعات تلك المدن فيكفي أن تعرف طبيعة مجتمع ما وسلوكه لتحكم على واقع تلك المدينة فالمجتمعات غالباً ما يتمسكون بالصوت الذي يتعلمون تأديته في مدنهم لينقلوه معهم أينما أرتحلوا ولذلك تبقى أجمل المدن على الإطلاق هي المدن التي تمازج أصوات جميع أفراد المجتمع لتكون صوتاً واحداً يعبر عنهم جميعاً بشكل جميل.

تذكرة مغادرة : يقول الشاعر محمود درويش : “ لو أرهفنا السمع إلى صوت الصمت لصار كلامنا أقل ”.