الأطفال والمدن

كل الصور الجميلة لأي مدينة هي في الحقيقة تصور جانب واحد منها يحكي عن أفضل مكان معد مسبقا للتصوير فيها ولكن يبقى أن الصور الأكثر أهمية هي صور أفراد المجتمع لا صور المدن والمباني والمشاريع بل صور الأطفال والشباب والشيوخ والزائرين لها.
صور الأطفال في المدن أكثر أهمية من أي صورة لأي مدينة فحينما ننجح في إسعاد الأطفال داخل المدن نحن نقترب من جعل المدينة أكثر إنسانية ومن هنالك لننطلق ونبحث عن ساكني المدن ذات الصور الجميلة ولنرى تعابير وجوههم ونقرأ جيداً ما تنطق به وتتحدث عنه دون كلمات فهي تحكي واقع تلك المدينة دون أي مؤثرات زائفة أو شعارات بعيدة عن الواقع.

تذكروا الآن وجوه من تسيرون إلى جوارهم وتذكروا ملامحهم المختلفة تذكروا ملامح الأطفال وتأملوها جيداً فهي أصدق تعبيرا عن حقيقة كل مدينة تسكنون إليها أو أسألوا الأطفال عن المدن فهم أكثر معرفة عن المكان.

المدن التي لا تنعكس مشاريعها على ساكنيها جميعهم تبقى مدن لا تمت للإنسانية بصلة فهي تنمي الحجر والجماد وتتجاهل البشر والإحساس فكل ذلك يصبح واقعاً يجب أن يتغير, فحينما يتألم طفل لعدم قدرته على الحركة سوى داخل أحدى غرف مسكنهم الصغير ويبقى كذلك حتى يكبر ويصبح شابا ليبحث عن مكان يتناسب مع طموحه وآماله ولا يجد سيستمر بالألم حتى حينما يكبر ويصبح طاعناً في السن فالمدينة التي تناست أن تقدم خدماتها للأطفال هي مكان أشبه بالمتاهة المغلقة التي لا تقدم سوى الجهد الإضافي المضني للحياة والتساؤل الهام هو كيف تستحق تلك المتاهة أن تسمى مدينة؟؟.

تذكرة مغادرة : المدن لا تبنى سوى من أجل البشر وأي مدينة لا تحقق لهم الإشباع الحسي قد تسمى بأي شيء إلا أن تكون مدينة .

أزمة تطوير المدن

تمر المدن بمراحل متعددة إبتداء من النشوء ثم النمو وتستمر إلى التوهج لتصير بعدها الى الفناء أو للإستمرار في التوهج بسبب التطور المستمر لها وذلك التطور لا يعني بالضرورة إزالة كل شيء قديم والبدء من جديد كما يحلو للبعض ولكنه يعني إعادة التفكير في كل شيء بالمدينة بالطريقة والمعطيات الحديثة.

ما تعانية المدن حالياً هي مرحلة متقلبة بين التوهج والفناء بسبب التطور الهش الذي يحدث لها فهنالك من يأخذ أمر تطور المدن بشيء من التطويع والإلزام وآخرون يحاولون دفع التطور نحو مرحلة التغيير بالكامل بحيث لا تعرف تلك المدينة كل بضع سنوات فالأزمة الحقيقية لتطور المدن ستتضح بالإجابة عن عدة أسئلة واضحة وبسيطة وهي أين نريد أن نذهب بهذه المدن؟ وإلى أي مدى سيكون ذلك التطور؟ وهل سيقبل مجتمع المدن بذلك التطور؟ كما أن مفهوم الأزمة ببساطة هو خلل مؤثر على كافة الأنظمة وتهديد للإفتراضات التي تقوم عليها تلك الأنظمة وتحويل هذا المفهوم على المدن ليس أمراً يسيراً, أذن ما هو الخلل الذي يؤثر على كافة الأنظمة داخل المدن؟ أن الإجابة عن تلك الأسئلة جميعها ليس أمرا سهلاً فذلك يتطلب القدرة على التركيز المستمر على عوامل الأزمة المختلفة في ظل ضغط مستمر يهدف نحو تطوير المدن بغية التقدم لخطوات وأن كانت هشة.

غالبية ما يمر به الذين ينتقلون من مدينة متطورة فعلياً لأخرى متطورة ورقياً هو الصدمة الحضارية الفعلية وليس عن جانب واحد بالمدن فقط بل على جوانب متعددة ومختلفة وتلك الصدمة تتسبب بالضغط النفسي أكثر خاصة على الذين يهتمون لأمر مدنهم وتطوريها الفعلي والجاد , فالمشكلة هنا أننا كمخططين نعلم أين نود أن تصل مدننا ولكننا كذلك نعلم عن العوائق التي تقف أمام تطور المدن وكثيراً ما ننتقدها ونكتب عنها ولكن لا مجال فعلي وحقيقي للتغيير.

أن تقييم أزمة تطور المدن يكشف أن بعض تلك المدن أصبح نموذجاً شديد الخطورة فالتحرك نحو التطوير لم يعد مجدي والأولى قبل بحث مسألة التطور هو التوقف لبرهة والتأمل جيداً وإيقاف ذلك النزف الذي وصلت له بعض المدن فالآثار الجانبية التي تتسبب بها الرغبة في تطور المدن بتطويع كل شيء أصبح واضحاً.

مفهوم إدارة الأزمات يوجب أن يكون حل أزمة تطور المدن بالبدء بأولى الخطوات وهي تبسيط إجراءات ذلك التطور وتحليله ثم التوجه لإيجاد أسلوب علمي صحيح يكون هدفه التخطيط والتنظيم لذلك التطور ومن ثم التوجيه والرقابة عليه قبل أن تفقد المدن كل شيء وتصير الى فناء أو هنالك حل أبلغ وهو الصمت.

تذكرة مغادرة : يقول مارجريت لي رانبيك “ تأمل كيف تنمو الأشجار ، و الأزهار، و الأعشاب في صمت ! و كيف يتحرك القمر ، و الشمس، و النجوم في صمت ! عندها ستدرك الى أي مدى نحتاج إلى الصمت كي نكون مؤثرين ”.

لماذا تفشل مشاريع تطوير العشوائيات؟

تبقى مشاريع تطوير الأحياء العشوائية والشعبية أو العفوية بصورتها الحالية من إزالة لكل شيء ومساواته بالأرض ومن ثم التطوير من جديد أحد مسببات زيادة الفقر في المجتمعات ويعود السبب في ذلك الى أن غالبية تلك المشاريع تعمل على شراء المباني والمواقع وإزالتها تماماً ومن ثم تعويض أصحابها بالمقابل المادي مما يعني محاولة جعل الملاك يتنازلون عن الأصول المملوكة لهم والتخلص منها مقابل تمويل مالي معين سواء زاد أو نقص ذلك التمويل ولكنه بطبيعة الحال سيبقى مبلغاً محدوداً لن يفي بمتطلبات المعيشة في الموقع الجديد والذي يعني متطلبات جديدة ومستمرة لمحاولة العيش فيه بنفس مستوى المجاورين إضافة إلى أنه يعتبر مسكن مؤقت بسبب أن ذلك التعويض المالي غالباً لا يفي بقيمة تملك المسكن الجديد في موقع مناسب بل سيضطر صاحبه أما للتضحية والسكن بعيداً جداً عن المدينة أو الانتقال لسكن مؤقت والإحتفاظ بالمبالغ النقدية لمواجهة ظروف الحياة المختلفة والوفاء بمتطلبات المعيشة لفترة من الزمن ومن ثم يبدأ بعدها بالإستدانه لتحقيق نفس المتطلبات المعيشية , فالتطوير وأن حدث فهو قد لامس المكان دون أن يكون الانسان جزء منه ولذلك فالأفضل في عمليات التطوير هو إشراك الملاك بنسب معينة من المشروع سواء كان كجزء من التعويض أو ميزة إضافية لضمان تحسن الأحوال المادية له بشكل مستمر ومن الممكن أن تكون تلك النسبة لقاء مهام عمل سواء خلال مرحلة التطوير أو بعد انتهاء مرحلة التطوير وأبتداء مرحلة التشغيل.

أن تلك النسبة البسيطة من المشاركة في رأس المال عبر الجهد أو عبر جزء من الأصول المملوكة قد يكون حلاً مثالياً يعبر عنه برؤية وخطة إستراتيجية لرفع المستوى المادي لسكان الحي العشوائي أو الشعبي لمواجهة منحنى التغيير الذي يوجه لذلك الحي بقصد تطويره .

كما أن عدم وجود رؤية واضحة لما يؤول له الملاك بعد عملية التطوير وضيق الخيارات المتاحة حالياً هو أحد أسباب التخوف من المشاركة فيها أو دعمها من قبل الملاك الحقيقيين للمواقع في داخل تلك الأحياء الشعبية, إضافة إلى أن التطوير لم يضعهم ضمن حساباته فهو لم يأخذ برأيهم في عمليات التطوير نفسها ولم يضعهم في حساباته بعد ذلك.

تذكرة مغادرة : يقول الأديب والروائي عبدالحميد السحار : “ أن فكر فى الله ساعة, فهو يفكر فى شهوات الدنيا ساعات ” .

خطورة الإدارة المركزية على المدن !!

المدن العالمية ومنذ سنوات تعمل وتسابق الزمن بشكل فعلي نحو إيجاد مكان مناسب لها ضمن قائمة المدن الأكثر تطوراً والأسرع تفاعلاً وتلك المدن لم يعد التفكير فيها على مستوى محلي وداخلي بل التفكير موجه نحو الخارج في إيجاد نموذج حقيقي وفعلي لمدن متطورة ومتقدمة عالمية تكون مختلفة تماماً وبمعايير عالمية, وحتى يتحقق للمدن ذلك الطموح لابد أن تخرج المدن من التفكير العام الشمولي نحو مستوى آخر من التفكير وهو أن يكون لكل مدينة أهداف مختلفة تعمل من أجل تحقيقها وتتنافس لتكون مدن جاذبة ليس نحو آليات ومستويات التطبيق للخدمات بل نحو مستوى تقديم خدمات جديدة متنوعة وذلك يعني أن يتغير مستوى الإدارة من مركزية مشرعة ومشرفة إلى إدارة محلية مشرعة وإدارة مركزية مشرفة ومن ثم الانتقال لمستوى آخر وهو أجدر للعمل عليه وهو إدارة محلية مشرعة ومشرفة في نفس الوقت تعمل من خلال مكوناتها المختلفة كالجهات الرسمية والقطاعات الخاصة والمجتمع المحلي وغيرها من المكونات ذات التأثير المباشر على المدن.

كما أن تقليل الإدارة المركزية من قبضتها ودفعها للمدن لكي تعمل من خلال الإدارات المحلية بشكل عام مع تحمل تلك الأخيرة المسئولية الكاملة يخلق نوع من المرونة ويدفع نحو التنافس الايجابي ويرفع الطموح في المدن نحو مستوى عالمي سبقت إليه العديد من المدن العالمية ومن الخطأ الاستمرار في أنظمة الإدارات المركزية للمدن فمع كل ايجابياتها السحرية للذين يغرمون بها تبقى تحصر المدن في دائرة الخطر فمن الملاحظ أن ثقافة إدارة المدن المركزية قد اقتربت من نهايتها وبدأت في التلاشي لدى المدن العالمية نتيجة لانعكاساتها السلبية المتضاعفة وبات واضحاً تأثيرها المباشر كما أن المستقبل يشير إلى أنه لن يبقى في قائمة المدن الناجحة سوى المبادرين بالخروج من عباءة المركزية إلى تفعيل أدوار أكثر فاعلية للإدارات والمكونات المحلية المختلفة للمدن.

كل ذلك يشير وبشكل واضح إلى أنه ينبغي لنا أن نبادر في تقليص دور الإدارات المركزية ووضع ذلك الهدف ضمن أولوياتنا المباشرة وهذا يعني السعي نحو إعادة هيكلة إدارة المدن لتكوين ثقافة جديدة لكل مدينة تكون مرتبطة بما تملكه المدينة من مكونات ويعمل عليها بشكل جاد لتحليل تلك المكونات المختلفة ووظائفها المتوقعة والمأمولة منها مع التنبه أن إعطاء القوة للإدارات المحلية لا يجب أن يكون قراراً متعجلاً بل يجب أن ندرك أن مثل تلك القرارات يجب أن تنفذ ضمن مراحل واضحة لتؤمن من عدم حدوث أي أخطاء أو خلل في فهم التطبيق ولذلك يجب أن نعلن أولاً عن أن التوجه العام سيكون نحو تفعيل الإدارة المحلية والدفع بعد ذلك بها لإدراك مسئولياتها وواجباتها تجاه المجتمع المحلي والمدينة بشكل خاص والدولة بشكل عام والدور المفصلي الذي سيعول عليه في تحقيق ذلك الهدف هو نضج الإدارات المركزية ووعيها لما يجب أن يسعى لأجله من أجل تحقيق فائدة أعمق لمصلحة المدن والمواطن والوطن بشكل رئيسي.

المدن المتطورة تتحدث اليوم لغة مشتركة هي لغة الاقتصاد وتهدف جميعها نحو اجتذابه لمواقع وتحديات جديدة ومحاولة إبقاء تلك اللغة في دائرة محددة وضمن نطاق ضيق لا يعكس قراءة صحيحة لما عليه العالم اليوم من تطور فاللحظة المناسبة لاتخاذ القرار هي تلك اللحظة التي تصبح فيها أي معلومة جديدة غير مؤثرة وقد مرت بنا تلك اللحظة فدعونا أن لا نتجاهلها كثيراً.

تذكرة مغادرة : تطور المدن يبنى من خلال تخطيط إستراتيجي فاعل ليحقق أهداف تنموية شاملة في الدول والركيزة الأساسية لتلك التنمية وذلك التطور المنشود هي السواعد الوطنية.